وهبة الزحيلي
12
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وما روي عن عائشة ومعاوية : أنه كان مناما فلم تثبت صحته ، ولو صح لم يكن في قولهما حجة ؛ لأنهما لم يشاهدا الحادث ، لصغر عائشة ، وكفر معاوية إذ ذاك ، ولأنهما لم يسندا ذلك إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا حدثا به عنه . ومناسبة آية وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لما قبلها : أنه لما ذكر تشريف النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإكرامه بالإسراء ، وإراءته الآيات ، ذكر تشريف موسى وإكرامه بإيتائه التوراة من قبله . التفسير والبيان : أنزّه اللّه تنزيها من كل سوء ، الذي أسرى بعبده محمد صلّى اللّه عليه وسلم في جزء من الليل ، من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس ، وعاد إلى بلده في ليلته ، وأبرئه تبرئة تامة عن كل صفات العجز والنقص وعما يقوله المشركون من وجود شريك أو ولد له ، وأثبت له القدرة الكاملة الفائقة ، فهو القادر على تحقيق ما هو أغرب من الخيال والتصور ، فلا غرابة إن أسرى بعبده تلك المسافة البعيدة في جزء من الزمن غير طويل ، تشريفا لنبيه ، ورفعا لقدره وإعلاء لمجده ، ليكون معجزة دائمة له مع مرور الزمان . والمراد بِعَبْدِهِ بإجماع المفسرين محمد عليه الصلاة والسلام ، وأتى بقوله لَيْلًا بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء ، وأنه أسرى به في بعض الليل ؛ لأن التنكير يدل على معنى البعضية ، والمسافة من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة بحسب وسائط النقل القديمة ، وذلك قبل الهجرة بسنة ، كما قال مقاتل « 1 » ، وذكر الحربي : أنه أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة .
--> ( 1 ) وهو قول الزهري وعروة ، فيكون الإسراء في شهر ربيع الأول . وأورد الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته حديثا لا يصح سنده أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب ( البداية والنهاية لابن كثير : 3 / 108 - 109 ) .